
لا أدرى لماذا أفتقدتك كثيرا عندما أغلقت أبواب البيت اليوم اتقاء للبرد . أغلقت جميع الأبواب
والنوافذ و أشعلت المدفاة الأرجوانية فى ذلك الركن البعيد من صالة البيت وتدثرت بتلك البطانية
الثقيلة ورغم ذلك ظلّ البرد يحوطنى من كل جانب . عندها تذكرت أن البرد إنما ينبع من داخلى
وليس من الخارج . نعم , فعدم وجودك بجوارى يجعلنى أشعر بالبرد . ذلك البرد الذى لا تتغلب
عليه نيران الجحيم المستعرة . شتأن بين وجودى بجوارك وبين تلك الوحدة التى أحيا فيها على
أمل لقائك . عندما كنت بجوارى بالأمس ورغم وجود حوائط وحوائط تفصل بيننا إلا أننى كنت
أحس بالدفئ . بل وفتحت النافذة التى تفصل بيننا علّها تأتى ببعض أنفاسك لتزيدنى دفئا . كان
كل من حولى تصطك أسنانهم من البرد وكنت أنا الوحيد الذى يحس بالدفئ . دفئك أنت الذى لا
يشعر به إلا أنا . رائع أنت فى كل صورك ووجودك . أتسمح لى ان أتحدث معك قليلا هذا
المساء .. أتمانع لو أغمضت عينى وتخيلتك هنا بين يدى و أنا مستند على ذلك الكرسى الضخم
أمام التلفاز . أتغضب لو احتويتك بذراعى وضممتك إلى صدرى لعلك تداوى جراح بعدك عنه
؟ لا تخشى منى فأنا بعد أحبك . و لن أقدر يوما على جرحك . كيف استطعت فى وسط كل تلك
الجراح التى أحاطت بك والآلام التى عشتها أن تكون رائعا إلى تلك الدرجة ؟ كيف نسجت من
تلك الجراح هذه الشخصية الرائعة ؟ ما هذا الصخب والحيوية التى تنشرها أينما حللت و اينما
رحلت ؟ رأيتك اليوم تجلس وسط حلقة من الناس حولك ولكنى لم أرى إلا أنت . كنت تتحدث
كثيرا وتضحك كثيرا وتنشر جوا من البهجة حولك ولكن ؟ لماذا أحسست أنك رغم كل هذا
الابتسام حزين من داخلك ؟ لماذا دائما يراودنى هذا الاحساس حولك ؟ لو كنت أملك يا حبيب
العمر لمسحت عنك حزنك كله وهمك . لو كنت أملك لخبأتك بداخلى وواجهت العالم بدلا
منك . لو كنت أملك لفقأت كل العيون التى ترقبك بحسد وغيرة . لو كنت أملك لقطعت كل
لسان جرى اسمك عليه بشرّ . كيف يمكن لبشر أن يكرهك ؟ اختلست إليك اليوم نظرة أو
نظرتين فتغير لون صباحى كله . كنت مهموما وخائفا منذ الأمس . ولكنى لما رأيتك أحسست
بـ .. انتظر .. سوف أخبرك بالظبط ماذا أحسست ..
أتعرف حين تجلس وسط ضجيج وضوضاء تكاد تصم إذنك وبرد شديد يكاد يفصل أعضائك
عن بعضها و أصوات تترامى إلى أذنيك صارخة لا تكاد تتبينها ولا تتبين أصحابها . كان هذا
حالى تماما قبل أن أراك اليوم . فلما رأيتك تحتسى فنجانا من الشاى وتمشى به فى تلك الطرقة
كملك يتفقد رعيته بحنان بالغ تغير كل شعورى فجاة . و كأنى انتقلت إلى مقعد وثير فى حديقة
غناء تنتشر فيها أشعة شمس الشتاء الرائعة . ولفّنى صمت جميل عزلنى عن كل العالم من حولى
ولم يقطع هذا الصمت إلا خرير الماء وزقزقة العصافير وروائح الياسمين . هذا ما تفعله بى
حين أنظر إليك . وجودك يضفى على الكون لمسة اسطورية تتحول فيها الدنيا إلى رواية طويلة
تمتلئ بالحب وبالجمال .
حبيبى .. أشكرك لهذا الصباح الرائع الذى أريتنى إياه . و أشكرك لهذا الدفء الذى تشعرنى به .
و أشكرك لأنك أعدت إلى الحياة مرة اخرى . و أشكرك لروعة عينيك الجميلتين . بل أشكرك
لأنك موجود فى هذه الدنيا من الأساس ..