
لم أرك اليوم . مضى اليوم طويلا ومملا بشكل لا يطاق . أعلم جيدا أننى حتى حين أراك لا
تتعدى تلك الرؤية ثوانى معدودة دون أن تشعر بى و أننى أهرب من عينيك حين تلمحنى ومع
هذا فذلك الوقت القليل هو ما يجعل لليوم كله بل للعمر طعمه ورائحته . لا أدرى لماذا انتظرتك
كثيرا فى المرة الأخيرة ؟ لم استطع الانصراف من المكان قبلك حتى أطمئن عليك . انتظرتك
كثيرا حتى انصرفنا سويا .. لماذا ؟ لا أعرف .. ربما لأقضى بجوارك بعض دقائق أحيا على
ذكراها حتى ألقاك ؟ ربما ..
عندما افتقدتك اليوم نزلت وجلست مكان ما تجلس . ووقفت قليلا فى المكان الذى ضمنا سويا آخر
مرة تحدثت معك وفررت من أمامك . بحثت عنك من نفس النافذة التى أنظر منها دوما إليك حتى
و أنا أعرف أنك غير موجود . ربما فعلت ذلك من باب العادة أو من باب عدم قطع العادة لما
تجلبه من فأل سئ .
أتؤمن بالعلامات ؟ أقصد تلك العلامات التى يسوقها الله إلينا من وقت لآخر لترشدنا إلى طريق
جديد قد يكون من شأنه أن يعوضنا عما فاتنا من سعادة . أنا أؤمن بها جدا . وقد دلتنى تلك
العلامات كثيرا إليك فى الفترة الماضية . رأيتك تعبر أمامى الطريق فى وقت ومكان لم أتخيل أن
أقابلك فيه . وسمعت اسمك أمامى فى مكان لم أذهب إليه فى حياتى سوى مرة واحدة . ورأيت
ابتسامتك الجميلة ذات الرنين و البحة المميزة بالأمس فى حلمى . لست من الغباء لأتغاضى عن
تلك العلامات لأمضى العمر نادما على عدم انتباهى لها .
إن الله لم ينزل من السماء أبدا لمداواة أحد أو لتغيير حياة أحدهم . و إنما جعل سبحانه وسخر
بعض خلقه ليكونوا أسبابا لذلك . فكم عبر خلال حياتنا أشخاص أثروا فى حياة وغيروها ثم
مضوا فى طريقهم وقد يكونوا قد نسونا ولكننا أبدا لن ننسى ما فعلوه بحياتنا خيرا كان أم شرا . و
أنت كنت ملاكى الحارس الذى أخذنى من طريق مظلم طويل لا ينتهى .. لطريق منير مبهج
يمضى بى سريعا من وجع لفراقك على أمل للقائك . نعم .. لا يخلو هذا الطريق من الألم والوجع
لموقفك الغريب منى ولكن .. هذا الألم والوجع هم علامات الشفاء بالنسبة لى . تماما كألم شفاء
الجرح للمريض. بدونه يصبح الجسد جثة هامدة . الألم والوجع معك وفى وجودك خير من النعيم
فى غيابك . لأنه دليل حياة . معك أكون حيا .. وفى غيابك أكون ميتا .
لا أدرى لماذا أشعر أنك غير ما تبدو . أحبك للدرجة التى تجعلنى أشعر بك حتى ولو لم أكن معك
. أراك دائما ضاحكا مبتسما ولكنى لا أدرى لماذا أشعر أنك تضحك كثيرا لتدارى ألما كثيرا .
وكأنك تخشى إن توقفت عن الابتسام أن تدمع عيناك . أراك تبدو قويا ومندفعا ولكنى أشعر أن
هذه القوة الظاهرية إنما هى ستار لشخصية رقيقة ضعيفة تحتاج إلى مشاعر صادقة وحضن دافئ
لتبكى داخله . تبكى كثيرا . لماذا أشعر أنك فى حاجة إلى البكاء المستمر ؟ لا أدرى ؟ أشعر دائما
أنك فى حاجة إلى بئر عميق تلقى خلاله كل آلامك ودموعك . إلى جبل قوى يعصمك من الناس
ومن الزمن .
أراك تحـيط نفسك بجيش من الأصدقاء والمعارف لتحتمى بهم من عدو وهمى ولكنى أشعر بك
رغم كل هذا الصخب و الضجيج وحيدا بل شديد الوحدة . و كأن بينك وبين عالمك الصاخب هذا
حائط من زجاج لا يشعر به إلا أنت . ألا فلتعلم يا حبيب العمر أن جيشا من الأصدقاء لا يعادل
حبيبا واحدا . حبيب يشاطرك فرحك وحزنك ويحمل عنك همك ويفتديك بأغلى ما يملك . أمخطئ
أنا ؟
الآن وهنا . دائما كان هذا قانونى فى الحياة . بمعنى أن أحقق كل ما استطيع تحقيقه الآن فى هذه
اللحظة وهنا فى هذا المكان . ولكن حبك علمنى الصبر . أصبحت صبورا .. وهى صفة لو
تعرفنى جيدا لقلت أنها معجزة . لن أكذب على نفسى ولا عليك . لست صبورا ولكنى لا أملك إلا
الصبر . أعرف أنك لا تحبنى ولكنى لا استطيع التسليم بتلك الحقيقة . لا أملك إلا الصبر ومحاولة
تعزية النفس بقربها منك . و أنى سأظل دائما بجوارك . ووقت تحتاجنى لن أتردد لحظة فى تقديم
حياتى لك . أستطيع تحمل ألم الدنيا كله عنك ولكنى لا استطيع أن أراك مهموما أو حزينا . حياتى
كلها فداء دمعة حزينة تنهمر من عينيك . حياتى لك وقت تطلبها حتى دون أن تشعر بحبى .
أحببت أشياء لم أكن أحبها بسببك بالمناسبة . لم أكن أحب صوت وائل جسار ولكنى أحببته عندما
مسحت مرة عفوا شريطه الدينى من هاتفك دون قصد .. كل الأشياء التى حدثت بيننا حدثت دون
قصد . أحببتك دون قصد وجرحتك دون قصد ولونت أنت حياتى فى اليوم مائة مرة دون قصد .
هل تعتقد أن كل تلك الغير مقصودات مقصودة ؟ أقصد أنها تدبير إلهى لشئ ما ؟ لا أعرف ؟
حبيبى . جميلة تلك الكلمة عندما تخرج منى إليك حتى على صفحات الأوراق . لها تأثير رائحة
الليمون والنعناع المعطر عندما تستنشقهما فى الصباح . تغير مزاجى ونفسيتى بشكل رائع . فماذا
سيكون جمال تأثيرها إذا ما استطعت يوما أن أقولها لك ؟
أكتب هذا و أنا أعلم أنك الوحيد من البشر الذى لن يقرأ ما أكتبه ولكن أعذرنى .. فحبى لك قد
فاض عما يحتمله قلب بشر . واحتجت فقط أن أتكلم معك . أردت فقط أن أكون للحظات .. معك
.. مع قلبى .. فهل تأذن ؟