
يا رب .. خلقت لنا القلب وملّكته أمرنا كله . ولكنك لم تجعل لنا حكما عليه . و إنما جعلت هواه
بيدك تقلبه كيف تشاء . مهما حاولنا أن نسيّر عليه أحكام العقل فإنه يرفضها جميعا . يبدو فى
الظاهر أننا نملكه فى صدورنا ولكن فى الحقيقة ملكيته كاملة لك وحدك سبحانك . يحب من
تأمره أنت بحبه ويكره من تأمره انت بكرهه . حتى أعز البشر و أغلى الناس ( نبيك صلى الله
عليه وسلم ) استجار بك منه . عندما مال قلبه للسيدة عائشة رضى الله عنها دون باقى زوجاته
وقال : ( اللهم إن هذا قسمى فيما أملك , فلا تحاسبنى على ما لا أملك ) . وقصد بذلك ميله لها
رضى الله عنها و أرضاها . فإذا كان هذا حال نبيك المصطفى فكيف بنا ونحن بشر لم يهبط
علينا وحى ولم ينزل علينا كتاب ؟
يا رب . جعلت الحب بين خلقك ليكون قائدهم ومرشدهم إليك . فعندما نحب نرتفع فوق بشريتنا
ومتطلباتها إلى مرتبة ملائكية نتخلى فيها كثيرا عن نفوسنا التى نعرفها . فلا يصبح لنا همّ ولا
شاغل إلا سعادة من نحبهم . حتى و إن تطلبت منا سعادتهم تضحيات بأغلى ما نملك . فنبذلها
ونحن سعداء آملين أن يعبروا إلى سعادتهم ولو على جسر من تضحياتنا .
يا رب .. وضعت حب من أحب فى قلبى ولكنك لم تضع محبتى فى قلبه فزدت علىّ فوق عذاب
الحب عذاب البعد . فكنت كالمستجير من الرمضاء بالنار حين حاولت القرب منه لأطفئ نار
الشوق فكنت كمن زادها وقودا . فأضحيت لا أنا على قربه قادر ولا أنا على بعده صابر . فإلى
من التجئ و أنت خالقى ومرشدى ؟ لم أره اليوم فأحسست بضيق ملك على قلبى كله وخنق
الدمع فى عينى فكيف إذا حكمت علىّ وخرج من حياتى فلا أراه ثانية ؟
يا رب .. لم أهتم فى حياتى قبلا بما يظن الناس عنى . ليس كبرا ولا غرورا ولا سوءا ولكنى
كنت دائما أخشى أن اهتم بالناس أكثر من اهتمامى بك . و أخشاهم أكثر من خشيتك . فقالوا
بجهل عنى ما قالوا ولم يعنينى يوما أن أرد . وكفانى معرفة من يحبونى بى . فأنت أدرى بى
من سواك . ولكنى اليوم أدعوك لتحسن صورتى أمامه . أمامه فقط . فأنا لا أحتمل أن يظن بى
السوء . أو أن أصبح أمامه غير ما تعرف أنت عنى .
يا رب .. به اصبحت نفسى مطمئنة قانعة بعد أن كانت نفسا أمارة بالسوء لا تشبع . وبه عادت
إلى تلك الروح ألوانها ونبضاتها بعد أن كانت قد خبت منها النبضات وخفت الألوان . وبه
أصبحت الأشياء جميعها فى مكانها الصحيح . هذا أنا وهذا الصباح وهذا المساء وهذا الربيع
وهذا الشتاء . بعد أن كنت قبل حبه تتساوى كل تلك الأشياء فى نظرى .
يا رب إن كنت قد أخطات فى حقه بجهل فقد دفعت ثمنا غاليا بالبعد عنه فترات طويلة فأنسه
خطأى ليسامحنى . فكفى ما لاقيته من عذاب البعد عنه .
يا رب .. فعل هو من أجلى كل هذا ولم يقصد و أريد ان أسد بعض دينى إليه . ولكن كيف و
أنت بعد أن جعلته كل الناس إلىّ جعلتنى بعض إنسان لديه ؟ كيف اكافئه و أنا فى واد وهو فى
آخر ؟ لو كان يشعر بحبى لملأت حياته سعادة وحبا و لأغلقت عليه أبواب قلبى فلا يصيبه أذى
إلا على جثتى ولكن كيف وهو لا يكاد يرانى أو يشعر بى ؟
يا رب .. أنت الوكيل فى ذلك . فأنا مهما اجتهدت لاسعاده فلن أقدر لبشريتى المحدودة . ولكنك
الخالق القادر . إن أردت إسعاده فهو أسعد الخلق بالكاف والنون . يا رب اجعله سعيدا حتى و
إن كانت تلك السعادة بعيدا عنى . سعادتى بسعادته سوف تشفى شقاوتى ببعده . يا رب اجعله
أسعد الناس وحقق له كل ما يتمنى له ولمن يحب . يا رب اجعله أغنى الناس عن الناس و
أقرب الناس إليك . يا رب لا تحرمنى جواره حتى وهو لا يشعر بى . فجواره هو غاية ما أتمنى
إن كنت ضننت علىّ بمحبته . يا رب لا تجعلنى أسمع عنه او أرى إياه إلا فى افضل حال
ليطمئن قلبى . فلن أحتمل أن أسمع عنه أو أرى ما يسيئه . فهو عندى أغلى من روحى التى بين
جنبى و أنت أعلم منى بذلك . يا رب .. اجعلنى فداء له من أى سوء . يا رب .. استودعتنى
قلبى فجعلته أمانة بين يدى و أنا حفظت أمانتك . و أنا استودعتك إياه وهو كل قلبى وروحى
فاحفظه لى سالما سعيدا دائما ..