11 يناير, 2012

يا رب ..


يا رب .. خلقت لنا القلب وملّكته أمرنا كله . ولكنك لم تجعل لنا حكما عليه . و إنما جعلت هواه

بيدك تقلبه كيف تشاء . مهما حاولنا أن نسيّر عليه أحكام العقل فإنه يرفضها جميعا . يبدو فى

الظاهر أننا نملكه فى صدورنا ولكن فى الحقيقة ملكيته كاملة لك وحدك سبحانك . يحب من

تأمره أنت بحبه ويكره من تأمره انت بكرهه . حتى أعز البشر و أغلى الناس ( نبيك صلى الله

عليه وسلم ) استجار بك منه . عندما مال قلبه للسيدة عائشة رضى الله عنها دون باقى زوجاته

وقال : ( اللهم إن هذا قسمى فيما أملك , فلا تحاسبنى على ما لا أملك ) . وقصد بذلك ميله لها

رضى الله عنها و أرضاها . فإذا كان هذا حال نبيك المصطفى فكيف بنا ونحن بشر لم يهبط

علينا وحى ولم ينزل علينا كتاب ؟

يا رب . جعلت الحب بين خلقك ليكون قائدهم ومرشدهم إليك . فعندما نحب نرتفع فوق بشريتنا

ومتطلباتها إلى مرتبة ملائكية نتخلى فيها كثيرا عن نفوسنا التى نعرفها . فلا يصبح لنا همّ ولا

شاغل إلا سعادة من نحبهم . حتى و إن تطلبت منا سعادتهم تضحيات بأغلى ما نملك . فنبذلها

ونحن سعداء آملين أن يعبروا إلى سعادتهم ولو على جسر من تضحياتنا .

يا رب .. وضعت حب من أحب فى قلبى ولكنك لم تضع محبتى فى قلبه فزدت علىّ فوق عذاب

الحب عذاب البعد . فكنت كالمستجير من الرمضاء بالنار حين حاولت القرب منه لأطفئ نار

الشوق فكنت كمن زادها وقودا . فأضحيت لا أنا على قربه قادر ولا أنا على بعده صابر . فإلى

من التجئ و أنت خالقى ومرشدى ؟ لم أره اليوم فأحسست بضيق ملك على قلبى كله وخنق

الدمع فى عينى فكيف إذا حكمت علىّ وخرج من حياتى فلا أراه ثانية ؟

يا رب .. لم أهتم فى حياتى قبلا بما يظن الناس عنى . ليس كبرا ولا غرورا ولا سوءا ولكنى

كنت دائما أخشى أن اهتم بالناس أكثر من اهتمامى بك . و أخشاهم أكثر من خشيتك . فقالوا

بجهل عنى ما قالوا ولم يعنينى يوما أن أرد . وكفانى معرفة من يحبونى بى . فأنت أدرى بى

من سواك . ولكنى اليوم أدعوك لتحسن صورتى أمامه . أمامه فقط . فأنا لا أحتمل أن يظن بى

السوء . أو أن أصبح أمامه غير ما تعرف أنت عنى .

يا رب .. به اصبحت نفسى مطمئنة قانعة بعد أن كانت نفسا أمارة بالسوء لا تشبع . وبه عادت

إلى تلك الروح ألوانها ونبضاتها بعد أن كانت قد خبت منها النبضات وخفت الألوان . وبه

أصبحت الأشياء جميعها فى مكانها الصحيح . هذا أنا وهذا الصباح وهذا المساء وهذا الربيع

وهذا الشتاء . بعد أن كنت قبل حبه تتساوى كل تلك الأشياء فى نظرى .

يا رب إن كنت قد أخطات فى حقه بجهل فقد دفعت ثمنا غاليا بالبعد عنه فترات طويلة فأنسه

خطأى ليسامحنى . فكفى ما لاقيته من عذاب البعد عنه .

يا رب .. فعل هو من أجلى كل هذا ولم يقصد و أريد ان أسد بعض دينى إليه . ولكن كيف و

أنت بعد أن جعلته كل الناس إلىّ جعلتنى بعض إنسان لديه ؟ كيف اكافئه و أنا فى واد وهو فى

آخر ؟ لو كان يشعر بحبى لملأت حياته سعادة وحبا و لأغلقت عليه أبواب قلبى فلا يصيبه أذى

إلا على جثتى ولكن كيف وهو لا يكاد يرانى أو يشعر بى ؟

يا رب .. أنت الوكيل فى ذلك . فأنا مهما اجتهدت لاسعاده فلن أقدر لبشريتى المحدودة . ولكنك

الخالق القادر . إن أردت إسعاده فهو أسعد الخلق بالكاف والنون . يا رب اجعله سعيدا حتى و

إن كانت تلك السعادة بعيدا عنى . سعادتى بسعادته سوف تشفى شقاوتى ببعده . يا رب اجعله

أسعد الناس وحقق له كل ما يتمنى له ولمن يحب . يا رب اجعله أغنى الناس عن الناس و

أقرب الناس إليك . يا رب لا تحرمنى جواره حتى وهو لا يشعر بى . فجواره هو غاية ما أتمنى

إن كنت ضننت علىّ بمحبته . يا رب لا تجعلنى أسمع عنه او أرى إياه إلا فى افضل حال

ليطمئن قلبى . فلن أحتمل أن أسمع عنه أو أرى ما يسيئه . فهو عندى أغلى من روحى التى بين

جنبى و أنت أعلم منى بذلك . يا رب .. اجعلنى فداء له من أى سوء . يا رب .. استودعتنى

قلبى فجعلته أمانة بين يدى و أنا حفظت أمانتك . و أنا استودعتك إياه وهو كل قلبى وروحى

فاحفظه لى سالما سعيدا دائما ..