
مولع أنا منذ الصغر بالحياة الطبيعية والبرية . لا أدرى لماذا تستهوينى معرفة الحيوانات و المخلوقات التى تحيا بجوارنا على هذه الكوكب وطرائق حياتها . كنت أسعد الناس حين افتتحت أبوظبى قناتها المعروفة ( ناشيونال جيوجرافيك ) نهاية العام الماضى . فى الواقع لقد استهلكت تلك القناة مع قناة زى أفلام الكثير من وقتى وجهدى !! تابعت كثيرا أنماطا للحياة البرية الموغلة فى التوحش . رأيت أسودا تفترس فرائسها بوحشية شديدة وشاهدت ضباعا تأكل فرائسها حية دون أن يطرف لها رمش ولا يردها صوت ضحيتها المسكينة التى تنزف دما متألمة وهى تؤكل حية . ورأيت أفلاما وثائقية تتناول حياة الخلايا السرطانية . تلك الخلايا التى تنشأ من العدم ثم تبدأ فى التهام الخلايا المجاورة لها شيئا فشيئا وتستمتع وهى ترى الحياة تخبو منها حتى إذا ما انتهت منها تركتها وبحثت عن خلية أخرى لتعيد معها الكرة من جديد . لا شك أن مشاهدة هذه الأفلام و أنت مستلقى على ظهر أريكتك تتناول كوبا من النعناع الدافئ لتتغلب به على برد الشتاء القارس يجعلك تشعر بنوع من المتعة والتفكير فى آن واحد . المتعة فى المعرفة و اما التفكير فهو كيف ان الله سبحانه وتعالى قد ألهم هذه المخلوقات تلك النزعة الوحشية ونزع منها الرحمة والعقل حتى تستطيع أن تجد لنفسها مكانا فى هذه الحياة . و أن تؤدى دورها فى الدورة الكونية التى خلقها المولى عز وجل بحكمة بالغة . ولا شك أيضا أنك ورغم ضيقك وغضبك من سلوك تلك المتوحشات إلا أنك قد تلتمس لها العذر أحيانا . فلم يخلق الله لها قلبا لتشعر ولا عقلا لتفكر ولا أحساسا لتشعر .هى الغريزة وفقط ما يحركها ويدفعها إلى ما تفعل . ولا شك أيضا أنك سوف تفقد هذا الفهم وهذا التعاطف إذا ما سلك هذا المسلك وتصرف تلك التصرفات الوحشية أحد يفترض أنه من بنى جنسك !!وما يجمعه معك فى الجنس إلا عينا تشبه عينك وجسدا يشبه جسدك وقلبا لا يشبه شئ !!
فلا مبرر لإنسان ما أن يجعل نفسه كائنا متوحشا أو سرطانيا تحت أية ظروف . أما وقد عركتنى الحياة وعركتها جيدا فلا أحب ان أخبرك بان ما سبق وذكرته من تلك التصرفات الوحشية المقيتة ما هى إلا فاتح شهية لبعض بنى البشر !! فمن البشر من يمتلك خسة الضباع فيأكل فريسته البشرية حية . ومنهم من يمتلك قسوة السرطان فى نهش جسدها . وإن كان للحيوان الأكمه مبرر فيما يفعل ، فما مبرر الانسان ؟ ما الذى يجعل انسانا يقترب منك بملمس الثعبان ويعاملك بلطف الأفعى ويتدلل عليك تدلل العقرب ثم إذا ما اطمئننت إليه وسلمته عقلك وقلبك انتفض ليغرز في عروقك أنيابه المسمومة ويظل ملتقما وريدك يضخ فيه سمه حتى تخور قواك وتضعف ثم تزوغ عيناك وتتسارع دقات قلبك ثم تصاب بذبحة صدرية وتحلق عيناك فى المجهول فيهدأ ثم يستل أنيابه من عنقك ليبتعد عنك رويدا رويدا ثم يستكين امامك قليلا ليملأ عينه وشغاف قلبه من ضعفك وعجزك مخرجا لسانه ليتلذذ بطعم دمك ، ثم يلم أذنابه ويرحل بعيدا عنك باحثا عن صيد جديد وضحية جديدة !! أى متعة ملعونة تحس بها تلك المخلوقات الممسوخة . التى توقف خلقها فى المنتصف ، فلا بشرية أصبحت ، ولا حيوانية أضحت ، ولا طفيلية حصلت ؟ أى متعة ملعونة يحسها من يمتلكون قلوبنا ثم يقبضون عليها ـ وهى هواء ـ بيد من حديد وحراشف من نار ؟ أى هدف يحتفلون بتحقيقه عندما يروننا ونحن بين الموت والحياة نصارع ذكرى حبهم وواقع مقتهم ؟ و إذا كانت حكمة الخالق جل فى علاه أن يخلق ما لا نعلم , فما حكمته أن تظل قلوبنا معلقة بهم ؟ ماحكمته فى أن من كانوا سببا فى تحليقنا بعيدا فى فضاء الحب والسعادة ، هم أيضا من كانوا سببا فى سقوطنا من حالق على أسنة غدرهم وخيانتهم ؟ ما حكمته فى ان من سمعنا من أجلهم أغانى الحب والشوق وتفتحت قلوبنا علي حبهم ، هم أيضا من سمعنا بسببهم أغانى الخيانة والغدر وأغلقت قلوبنا دونهم ؟ ماحكمته فى هذا الفراغ الذى يملأ منطقة الصدر ويصفرّ فيه الهواء اللافح والذى عرف يوما ما بالقلب ؟ هل أوجدهم الله وجعل طعامهم الوحيد رحيق قلوبنا ؟إلى متى سنظل نقدم القرابين قربانا تلو قربان حتى يشبعوا ويتضخموا من دمائنا ؟
و أخيرا ..
إذا كانت الغريزة هى الدافع للحيوان .. فما الدافع لمن كانوا .. أحباء ؟؟