
وصل إلى مطار القاهرة الدولى بسيارته وترجل منها قاصدا صالة السفر فى المطار الجديد . ولما دخلها ألقى بجسده المنهك على أحد المقاعد ووضع ساقا فوق ساق بتوتر شديد ينم عن ترقبه وانتظاره الأشد و جلس فى انتظارها . أراح ظهره على مسند الكرسى ثم رنا ببصره يقلب فى وجوه الناس والمسافرين علّّها تكون أحد هؤلاء ولما طال انتظاره أغمض عينيه قليلا ومرّ فى ذهنه شريط طويل من الأحداث انتهى به إلى جلسته تلك .
عرفها فى البداية قارئة جيدة لبعض ما يكتب وينشر على صفحات الشبكة العنكبوتية ثم انقلب الحال وأصبح هو القارئ والمتابع لكل ما تكتب هى . شيئا ما فى كتابتهما كانت تجذب أحدهما للآخر دون أن يحددا ما هى . تعليق هنا وتعليق هناك ومكالمة هنا وأخرى هناك أصبحت العلاقة أكثر خصوصية وعرفا الكثير عن بعضهما البعض . ولأنه لا يعلم كيف تفكر ولن يعطى لنفسه الحق فى الحديث عنها فقد كانت هى بالنسبة له فى البداية متنفسا ومستمعا جيدا لما يعانيه فى حياته من جفاف عاطفى يصل لدرجة التصحر !! ومخرجا سحريا لكل مشاعره الكامنة التى لم تقابل بعد من يستطيع اخراجها منه ، وبمرور الوقت انقلب السحر على الساحر . ووجد نفسه دون أن يشعر يقع فى حبها . لم يقع حقيقة ولكنه بتعبير أدق سقط فى الحب . لأنه أحبها مندفعا نحوها بكل مشاعره وطاقاته البكر الغير مستنزفة . كانت فى حياته كالنافذة الوحيدة فى البيت التى يتزاحم عليها كل سكانه للاستمتاع ببعض الهواء المنعش فى ليالى الصيف القائظ . كان واقعيا إلى حد كبير حتى عندما وقع فى حبها . فلم يتوقع مثلا أن تندفع هى فى حبه أو حتى تبادله نفس مشاعره فجأة . كان يعلم أنها تفوقه كثيرا بمقاييس الحياة المادية التى تعارف عليها البشر . خبرات كثيرة مرت بها وحياة عريضة عاشتها أضافت إليها الكثير والكثير . وربما استنزفت من عقلها ومشاعرها الكثير . بينما كانت حياته بسيطة للغاية . وربما كانت بسيطة للحد الزائد عن اللزوم . فلم يخاطر بقلبه فى علاقات يعلم مقدما أنها غير مثمرة و إنما ظل محتفظا بنفسه كما هى فلما قابلها ورأى عينيها علم أنه لن يستطيع ان يقاوم هذه المرة . لن يقاوم .. تحدثا كثيرا .. كثيرا فى الواقع .. لم تكن المحادثات عن شئ وهمى كباقى المحادثات من تلك النوع بين " النتيتة " !! يبدو ان السن والثقافة وطبيعة الشخصية تتدخل كثيرا فى مثل هذه النوع من العلاقات . فطبيعة شخصيتهم تجعلهم يميزون جيدا بين الغث والثمين والصالح والطالح . وتلك الثقة التى تربت بينهم فى سنوات سمحت لهما بأن يطلعا بعضهما على تفاصيل كثيرة فى حياتهم جعلت معرفتهم تكاد تكون حقيقية إلى حد كبير . كانت واقعا فرض نفسه عليه رويدا رويدا .. كائنا جميلا نمى فى ظروف حميمية ليطيح بكل سلبيات الماضى المؤلم فى حياته ويطردها شيئا فشيئا حتى استطاع أن يقضى عليها تماما . ومن أجل ذلك لم يبخل عليها بأى مشاعر يملكها فقد كانت دوما طوق النجاة له . الصديقة والصاحبة والحبيبة . ولم يعرف تاريخ الرجال قط من يفرط فى انثى واحدة استطاعت أن تملأ كل تلك الخانات فى حياة رجل ما !! ولكن ..
مع كل هذا الحب والتعلق كان يعلم جيدا أن هذا الحب هو السقف الأعلى لتلك العلاقة . كان مدركا جدا لأنها شخصية ناضجة ومكتملة حد التمام . و إن أضعفها الحب شهرا فسوف يردها الواقع دهرا .. و انه لا يمثل طموحا لمن هم فى مثل مكانتها . فغالبا ـ بحكم عملها ـ تتحكم فى من هم على شاكلته بالعشرات !! كان واقعيا إلى حد بعيد دون دونية ودون غرور . كانت من حسناته القليلة أنه يعلم جيدا موقعه ومكانه بالنسبة إلى كل الناس . ويبدو انه من أجل ذلك اختصر دائرة معرافه إلى حد كبير . كان يفضل دوما ان يحتفظ لنفسه بمكانتها فى عينه وعين الآخرين . كان يعلم تماما أن قلبه وحبه هما أكثر ما يمكن أن يقدمه فى علاقة كتلك وقد فعل دون تردد أو تأخير . أما هى ..
مع كل هذا الحب والتعلق كان يعلم جيدا أن هذا الحب هو السقف الأعلى لتلك العلاقة . كان مدركا جدا لأنها شخصية ناضجة ومكتملة حد التمام . و إن أضعفها الحب شهرا فسوف يردها الواقع دهرا .. و انه لا يمثل طموحا لمن هم فى مثل مكانتها . فغالبا ـ بحكم عملها ـ تتحكم فى من هم على شاكلته بالعشرات !! كان واقعيا إلى حد بعيد دون دونية ودون غرور . كانت من حسناته القليلة أنه يعلم جيدا موقعه ومكانه بالنسبة إلى كل الناس . ويبدو انه من أجل ذلك اختصر دائرة معرافه إلى حد كبير . كان يفضل دوما ان يحتفظ لنفسه بمكانتها فى عينه وعين الآخرين . كان يعلم تماما أن قلبه وحبه هما أكثر ما يمكن أن يقدمه فى علاقة كتلك وقد فعل دون تردد أو تأخير . أما هى ..
فعلى الرغم من تجاوبها معه واحساسه بأنها قد بادلته بعض مشاعره إلا أنها ـ وكما توقع ـ كانت ذات وجهة نظر مختلفة لعلاقتهما . يبدو ان الزمن والتجارب قد استنزفا الكثير من إيمانها بالحب وبالرجال .. ويبدو أنها لما تأكدت من صدق مشاعره أرادت ان ترده إلى الواقع بلطف . بلطف بدا من وجهة نظره العذاب بعينه . أخبرته بأنها لا تنتظر الكثير من تلك العلاقة لانها جبلت على خيانة الرجال لها . و أن حيلتها الدفاعية المشروعة أن لا تعطى ثقتها الكاملة لأى رجل مهما علا شأنه وصدقت مشاعره . و أن كل الرجال متهمون فى مشاعرهم حتى تثبت برائتهم أمامها . هى لا تثق فى الرجال بصفة عامة فكلهم يسلكون نفس الطريق لتحقيق أهداف بعينها من الأنثى فإذا اكتملت أهدافهم فإنهم يرحلون .. هكذا ببساطة .. يرحلون .. و أنها ملت من هذا وتعلم انه سوف ياتى يوم ويرحل هو الآخر .. يبدو أنها أرادت أن تصدمه حرصا على ما تبقى من مشاعره . نوع من الحب قد لا يكون معتادا ولكنه موجود . حين تحس بأنك لن تستطيع أن تعطى كل ما تملك فترى أنه من العدل أن لا تجعل الآخر يعطى كل ما يملك !! منطق قد نتفق او نختلف عليه ولكنه يبقى منطقا لبعض البشر .. وعندما بلغته ذلك أعقبت ذلك بان هذا هو اليوم الأخير فى وجودها بمصر و أنها سوف تغادرها غدا عائدة إلى عملها فى إحدى الدول المجاورة . وأنها سوف تستقل طائرة الغد وودعته متمنية له الخير والتوفيق فيما تبقى من حياته ... ومشاعره ..
قضى ليلة طويلة فى التفكير .. تلمس لها كل العذر فيما روت .. فنحن فى النهاية نتاج خبراتنا الحياتية . ومن السذاجة ان تتوقع من أحدهم ان يشعر كما تشعر ويحس كما تحس دون أن تعرف من أين اكتسب خبراته . فكر طويلا قبل أن يأتى إلى هنا . أتى لشيئين ، أولهما ان يراها ويؤنس عينيه بوجهها الذى طالما أوحشه . وثانيهما أن يخبرها بأ ن امامها طريقين فى الحياة لا ثالث لهما .. أولهما ان تظل تفكر بنفس الطريقة وفى هذه الحالة سوف تحيا جسدا فقط بعد ان حكمت هى على نفسها بالموت .. وسوف يظل كل الناس خائنين ومنتفعين ويستحقون الحرق بعد الرجم .. وهى بهذا الطريق سوف تزداد كفرا بالحياة وبالحب وبكل ما من شأنه أن يجعل للحياة طعم وشكل مختلف . وثانيهما أن تعطى لنفسها فرصة قد تكون أخيرة لتغير تلك الطريقة فى التفكير . فعدم الإيمان بالله من قبل بعض الناس لا يعنى ان الله غير موجود . وعدم وجود بعض الأخيار فى حياتنا لا يعنى بالضرورة عدم وجودهم . و أن استخدام الناس لنفس الطريقة فى التعبير عن الحب ليس من شأنه ان يجعلهم كلهم خائنين . و أن الحكم على الناس بما يبدون عليه خطأ بيّن . و أن من حق انفسنا علينا ان نحسن الظن بالحياة والناس حتى وان تكرر الغدر منهم ومنها . فى النهاية فإن الخائن لن يضر إلا نفسه . وسوف يأتى يوم يبكى دما على من فرط فيهم باختياره عندما تجبره الحياة على أن يفرط فيه من خان من أجله . و ان الله قد توعد الأخيار بحسن المنتهى وبالغادرين بسوء العاقبة فى ناموس إلهى لا يرقى للشك و إن بدت الطريق وعرة وصعبة فى البداية .
استفاق من غمضته وقلب بعينيه ثانية فى الوجوه حتى لمحها تدفع بيدها عربة الحقائب وتجرها امامها فى طريق الطائرة . استعد للقيام والسلام عليها ومفاتحتها فى كل ما قضى ليلته للتفكير فيه وتتيبه فى عقله فى عبارات وجمل وكلمات مختصرة ولكن قدماه لم تطاوعه . شئ ما فى عينيها المصرتين وخطواتها الواثقة دفعه إلى التشبث بكرسيه . هل يمكن ان تنهى محادثة على سلم الطائرة ما ما بدأته الحياة نفسها منذ سنوات طوال ؟ هل ستفرح حين تلقاه دون موعد أم تقضى بمقابلتها الباردة على الامل الوحيد الباقى والخيط الذى يحرص على عدم انقطاعه . بتفكير سريع وقرار متمهل قرر ان يتركها لطائرتها وحياتها التى ألفتها . ولكنه سوف يكون موجودا بجوارها بحبه ومشاعره و إخلاصه مهما سمع منها أو ضاق به . حبه هو الطريق الوحيد الذى سوف يغير طريقة تفكيرها و إن طال الزمن . فإن تجاوبت فهنيئا له ولها . و إن ظلت على معتقداتها فيكفيه أنه قد اثبت ان هناك من يستطيع الحب .. والاخلاص فيه .. وسعادته باثباته هذا سوف تجعله سعيدا من أجلها حتى و إن أعطت لنفسها فرصة أخرى مع .... غيره !!
راقبها حتى عبرت البوابات دون أن يحاول حتى أن يظهر أمامها . وظل مركزا عليها حتى يملأ ذهنه بصورتها حتى توارت خلف الحواجز البلاستيكية وقام هو من مكانه خارجا من المطار بعد ان قضى ليلة ... لن ينساها أبدا ...