الأحرى أن يكون العنوان " صناعة مصرية خالصة " ... واعتقد أنكم تشاركونى الرأى فى أن الصناعة الوحيدة التى ابتكرناها وتفردنا بها منذ القدم وحتى الآن ولم ينافسنا فيها منافس هى " الهيافة " !! فمصر وعلى مدار التاريخ المشهود منا والتاريخ الذى حكى لنا دائما و أبدا تمسكت بالهيافة فى تناول أخطر الموضوعات و أبسطها .. حتى أن المثل الشعبى المصرى الخالد يقول " يا ابا علمنى الهيافة .. قاله يا ابنى تعالى فى الهايفة واتصدر !! "
والأمثلة كثيرة , فعندما وقعت النكسة وخسرت مصر خيرة شبابها وفقدت ثلث مساحتها تركنا القضية الأساسية وتفرغنا للكلام عن العلاقة بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وبرلنتى عبد الحميد وأخذت صداقتهما مكان الصدارة فى تناول النكسة ونسى الناس ان الأرض والعرض قد استبيحوا ولا يعنى أحد إن كانوا أصدقاء أم ألد الأعداء !!
وعندما قتلت المغنية اللبنانية سوزان تميم على يد رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى تركنا الحديث عن خطورة ان يقوم رجل من رجال الدولة وأحد أهم قيادات الحزب الحاكم بمثل هذه الفعلة الشنعاء وكيف أن هذا مؤشرا على فساد الحكم فى مصر واخذنا فى الحديث عن علاقتهم الغرامية والغيرة والحب واللى بالى بالك !!
وعندما خرج متخبنا الكروى من كأس العالم بعد أن تم صرف أكثر من 25 مليون جنيه من أموال الشعب على هذا الفريق .. نسينا هذا الخروج ونسينا صفر المونديال وانشغلنا بمعركتنا الحربية مع الأشقاء الجزائريين و أنفقنا فى هذه الحرب الاعلامية ما تنفقه الدول فى الحروب " اضغط هنا " !!
وعندما قامت الثورة المصرية وقبض على زبانية النظام وسارقى أقوات الشعب تركنا جرائمهم الأساسية وخرج علينا من يطالب بالقصاص منهم لمقتل سعاد حسنى " اضغط هنا " !!
والأمثلة على هذه الهيافات كثيرة وعلى مر العصور " فريد الأطرش وهل كان يغار من عبد الحليم ؟ وام كلثوم هل أغرقت اسمهان ؟ وسعاد حسنى هل تزوجت عبد الحليم ؟ والملك فاروق وهل كان زئر نساء ؟وايناس الدغيدى وخالد يوسف ومعاركهما مع الرقابة .. وصفر المونديال والريان والسعد ومن الأحق بالدورى الأهلى ام الزمالك ؟ وكم من هذه القضايا التافهة أخذت من أعمار المصريين ليال وأيام لا ينفكون فى الحديث عنها ودون ان يصلوا منها لنتيجة !!
و إن كان هذا تاريخا موثقا وما أكثر القائلين بأن مصر بعد 25 يناير غير مصر بعد 25 يناير فإن ما يزعجنى أن هذه المقولة مضللة بشدة .. فمصر ليست إمرأة منحرفة قبض عليها فى إحدى شقق الدعارة فحكم عليها بالحبس وتمت إهانتها فنابت و تابت إلى الله وتغير سيرها واستقامت . مصر هى شعبها و أخلاقيات شعبها والشعوب لا تتغير .. أو بالأصح لا تتغير الشعوب بالثورات و إنما تتغير بالعلم والثقافة والتربية . فمن البديهى أن من تعود على السرقة والرشوة والفوضى والهمجية لن تغيره ثورة قامت بها شريحة ـ مهما عظمت ـ من الشعب . والدليل على ما أقول " واقعة العلم " !!
بكل تأكيد تمنينا جميعا انزال العلم الاسرائيلى من فوق السفارة الاسرائيلية وعندما تم ذلك سعدنا أيضا دون أن نهتم بمن فعل .. فنحن لا نعرف من رفع العلم المصرى على أرض سيناء ومن أنزل العلم الاسرائيلى منها ولا يعنينا . ولم يخرج من فعل ذلك ليقول أنا فعلت فالمهم هو الفعل وليس من قام به . ولكن لأن مصر بعد يناير غير مصر قبلها فقد خرج علينا المدعو أحمد الشحات أو سبايدر مان المصرى او العنكبوت القاتل وكل تلك الألقاب التى خلعت عليه وتلك الصفحات التى أفردت له ويكفيك أن تكتب اسمه فى محرك البحث جوجل لترى عدد الصفحات الذى ظهر فيها وهو بالأمس لم يكن شيئا مذكورا ليقول أنه هو من أنزل العلم الاسرائيلى من فوق السفارة الاسرائيلية . فهلل الشعب وصفق الشباب الموجود حول السفارة وعاملوا الفتى معاملة الفاتحين ونال من الشهرة الاعلامية ما لم ينله محمد عبد العاطى ـ أتعرفونه ؟ ـ ولم يقتصر الأمر على ذلك و إنما منحه المحافظ الهمام شقة من شقق إسكان الشباب " اضغط هنا " . وتحدثت المدونات والتويترات والفيسبوكات عنه كما لم تتحدث عن عاطف السادات .. حتى أن أحدهم طال بتوثيق القصة وتنقيتها من الشوائب حتى نستطيع أن نرويها لأبناءنا و أحفادنا " اضغط هنا " !!
.. ثم ماذا ؟ خرج علينا المنفذ الحقيقى لتلك العملية وهو شاب آخر يدعى مصطفى كامل " اضغط هنا " . وتسابقت الفضائيات على عقد المناظرات بينهما حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود " اضغط هنا " . وانشغل الناس بمن أنزل ومن رفع .. ونسوا أن الاسرائيلين على أبواب مصر ودون أعلام.. ونسوا أن الكثير من المصانع قد أغلقت وتشردت عمالتها ومنهم أباء ذوى مسئوليات .. و أن الكثير من مواطنى المحروسة أصبحوا بلا عمل أو مورد دخل والمدارس على الأبواب . ونسوا انه قد مر على الثورة 7 شهور ولم نرى ظابط شرطة "يوحد الله " فى الشارع . ونسوا أن السلع الرئيسية بدأت تنفذ من الأسواق .. ونسوا أننا قد أصبحنا نرى وجوها تسير بجانبنا فى الشارع مكانها الوحيد وادى سقر !!
ليست الواقعة فى حد ذاتها هى الموضوع فالشابين كليهما ـ بما فعلا ـ أتفه من الحديث بشأنهما ولكن الخطير فى الأمر أننا بالفعل قد أصبحنا فى زمن عجيب وفجأة .. أصبحت البطولة سهلة المنال بأى عمل يرضى الناس وفقط دون أن نهتم إذا كان هذا العمل يضر أم ينفع ؟ والأنكى أنه لا يوجد من يتحكم فى الأمر ليفرض الانضباط على سلوك البشر .؟ الكل يتسابق من أجل الشهرة والأضواء و أكل العيش .. الفضائيات التى أصبحت هى المصدر الرئيسى للتعليم والتربية والتثقيف تتعامل معنا دون ان تراعى فى الله إلّا ولا ذمة .. ينفخون فى النار ويهتمون بالأخبار المثيرة بل والتافهة حتى تتزايد الاعلانات ويقبض المذيعون ولتنزل لعنة الرب على المواطنين !! والمواطنون بالطبيعة يحبون الهيافة بل إنهم يجيئون فيها ويتصدروا !!
وفى النهاية يقتلنى الفضول لمعرفة من أنزل العلم ؟ أقولك ؟ أنا اللى كلت الجبنة !!