16 أغسطس, 2011

المزاج + 21



لم أكتب ولم اختر هذا العنوان لجذب الانتباه بالقطع . فعلى أية حال لن يجذب مثل هذا العنوان إلا المدمنين والحشاشين من بنى وطنى الأعزاء " وما أكثرهم هذه الأيام " .... وعمّ نعيم !! وعم نعيم لمن لا يعرف هو اسطورة حية وبالانجليزية " uncle naeem is a living legend " !! ولم لا وهو الفراش الوحيد فى تاريخ مدارس جمهورية مصر العربية الذى استطاع امساك خفاش حىّ بيديه العاريتين !! فقد فاجأنا سالف الذكر عم نعيم ونحن فى غرفة المدير لمناقشة خطة العام الدراسى للموسم الجديد باقتحامه للغرفة وهو ممسك بهذا الكائن البشع ووجهه يشع بشرا ويتجه مباشرة لمكتب المدير قائلا :
ـ أنا قفشت ده يا باشا !!
تراجع المدير فى مكتبه وغاص فى كرسيه بالطبع " فإن تسمع بالمعيدى خير من أن تراه " .. ومهما شاهدت هذا الكائن فى التلفاز أو رأيته فى برنامج عالم الحيوان شئ و أن تراه وجها لوجه وفى يد احدهم العارية شئ آخر .. وبعد ان امتص المدير الصدمة قال متسائلا فى خوف واحترام :
ـ لقيته فين ده يا عم نعيم ؟
ـ لا يا باشا انا ما لقيتوش .. أنا رقّدتله .. لقيت كام عصفورة كدة متاكلين فقلت اعرف ايه اللى بياكلهم فراقبته ولما جى استنيت لما بدأ ياكل ومسكته ..
لا يستطيع القلم مهما برع أن يصف البساطة والفخار اللذان كان يتكلم بهما الرجل وكأنه أمسك بعصفور غرير وليس بمصاص للدماء !! وبعد ان ازدرد المدير والحضور ريقهم وأشبعا الرجل نظرات تفيض بالاحترام حينا وبالدهشة حينا وبالامتعاض فى أغلب الأحيان سأله المدير بحسن نية :
ـ طيب يا عم نعيم .. اتأكد أنها ما لهاش ولدة ولا حاجة عشان ما ينفعش الحاجات دى تبقى موجودة فى المدرسة ..
ـ لا يا باشا ولدة ايه اطمن .. ده دكر !!
صمت طويل اعترى الغرفة بعد هذا التصريح العلمى الخطير والذى من شأنه ان يغير مفاهيم ونظريات بأكملها فى مجال العلوم الحية والميتة !! فمعلومة خطيرة كهذه تتطلب معملا ومعلما وأدوات تشريح لاكتشاف جنس هذا الكائن البشع .. أو هكذا كنا نتخيل على قدر فهمنا المتواضع فى المسائل الجنسية عموما .. جالت عينا المدير فى المجهول ودفعه فضوله البشرى ان يسأل السؤال الذى خشينا منذ البداية ان يسأله:
ـ وعرفت منين إنه دكر يا عم نعيم ؟
ـ أهو يا باشا مش محتاجة ذكاوة يعنى .. وتوجه بالخفاش ناحية الرجل المسكين الذى ابتل وجهه عرقا واحراجا من الاسطورة الحية التى تتجول فى مكتبه بكل حرية ..
عموما لم يكن هذا هو الموضوع الذى أردت الكتابة من اجله ولكنى والله لا أدرى ما الذى دفعنى لأن أحكى لكم قصة عم نعيم والخفاش الدكر !!ما أردت أن أقوله لكم وأسأل عنه هو المزاج .. وأقصد بالمزاج هنا راحة البال والاستمتاع .. لماذا لم نعد نستمتع بما نفعل ؟ نعمل ونجتهد ونؤدى ما علينا تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين بدون أن نستمتع بهذا .. حتى الأشياء البسيطة التى من المفترض فى وجودها أن تمتعنا لم تعد تفعل ذلك ..كدخلة شهر رمضان مثلا والأعياد .. تذكرون جميعا كيف كان رمضان فى الماضى ونحن صغار .. كنا لا ننفك ننتظره منذ قدوم شهر رجب .. محمد عبد المطلب و أغنية رمضان جانا التى كانت تثير فى النفس ما تثيره من أفراح وخشوع وصوت محمد رفعت وقت أذان المغرب والمدفع والزينة والصوم والمسحراتى ونيللى وشريهان وحتى سمير غانم !! أما العيد فحدث ولا حرج عن رائعة ام كلثوم يا ليلة العيد .. كنت احتضن ملابس العيد فى حضنى ليلة العيد وكان لتلك الملابس رائحة مميزة هى والحذاء الاسود الجديد ..وصلاة العيد فى الحديقة الواسعة والملابس البيضاء على أجساد المصلين تراها فتحس بأنك تتجول فى شوارع الجنة من جمالها وجمال وجوه الناس وطيبتهم ..فماذا جرى ؟ لماذا جاء رمضان وأوشك على الانصراف دون أن يحرك فينا تلك المشاعر الجميلة السابقة اللهم غير الاحترام والمحبة لهذا الشهر الجليل ؟ لماذا تحولت طقوس رمضان لروتين يومى نفعله دون ان نحس بتلك الفرحة الغابرة ؟ لماذا تحولت أغنية رمضان جانا لأغنية تشبه الأغانى الوطنية فى عصرنا هذا ؟ لماذا أصبح العبد بالنسبة إلينا يوم أجازة نرتاح فيه من عناء العمل والاستيقاظ مبكرا وفقدت الملابس الجديدة تلك الرائحة ؟!! لماذا أصبحنا ننام أكثر من ان نصبح متيقظين فى تلك الأيام الجليلة ؟ فكرت كثيرا فى أنه ربما اننا قد كبرنا واحساسنا بتلك الأشياء قد اختفى خلف طفولتنا السالفة ولكنى حين أرى أطفال هذه الأيام لا نرانا فيهم .. لا يهزهم شئ ولا يمتعهم شئ وكأنهم قد تحولوا إلى أطفال وموظفين فى نفس الوقت !! لا يحرك فيهم ساكنا إلا أن تـأتيهم بلبن العصفور حتى يرضوا ويبتسموا .. ماذا جرى لنا ؟ وإلى متى سوف نطارد تلك الذكريات الجميلة فى محاولة يائسة لاسترجاعها دون جدوى ؟
ملحوظة :
أعرف أن الفضول يستبد بكم فى النهاية لمعرفة شكل عم نعيم والذى استطاع من خلاله أن يمسك بالخفاش .. شعور طبيعى بالفضول لا ألومكم عليه وسوف أجيبكم بمنتهى الصراحة والوضوح .. انظروا إلى صورة الموضوع وسوف تجدون صعوبة بالغة فى ايجاد 7 فروق بين عم نعيم وبين تلك الصورة !!