
إنطفأت غلاية الماء فقام نحوها وصب فنجانين من الشاى له ولصديقه الذى كان يجلس بجانبه
يخط ببعض الأوراق . ثم جلس على مكتبه قبالته وسرحت عينه فى المجهول وهو يرتشف
رشفته الأولى من الفنجان . ثم التفت فجأة إلى صديقه قائلا :
ـ أتعلم ؟ أحس أنى كلما اقتربت من غادة حدث شئ أبعدنى عنها كثيرا .
التفت صديقه بتثاقل ونظر نحوه كمن كان متأكدا أنه سوف يكلمه فى هذا الموضوع دون غيره .
وقال :
ـ ألم تمل من هذا الأمر ؟ أخبرتك مرارا أنها لا تراك ولا تشعر بك .
ـ أعرف . ولكن هذا لا يمنعنى من التفكير بها باستمرار .
ـ هذا شأنك وحدك لادخل لها به .
ـ كيف لادخل لها به ؟ ألا تشعر بكل معاناتى تلك ؟
ـ أخبرتك أيضا أنّ ما مرّت به قد جعلها زاهدة فى الحب والمشاعر وفى الرجال أيضا و أنت منهم !!
ـ أنت تراها هكذا ؟
ـ لست وحدى ، الجميع يراها كذلك إلا إنت .
ـ لأن الجميع نظروا إلى وجهها وخارجها أما أنا فأحسست بها من الداخل .
ـ من الداخل ؟ وماذا وجدت أيها الحساس ؟!!
ـ وجدتها كائنا ضعيفا تتحرق شوقا إلى من يحبها بالفعل ويخفف عنها حمولها ويعيد إليها ثقتها
بنفسها وبالحياة . أتعلم ؟
ـ أعلم ماذا ؟
ـ كل هذا الجمود والسخرية والتظاهر بالقوة سوف يتبخر عندما تشعر بحب حقيقى وحضن حقيقى .
ـ لا يستطيع أحد ان يفعل ذلك ..
ـ بلى يستطيع .. فقط إن كان يحبها .
ـ ولو ؟ لن تعطيه الفرصة لذلك . ثم ما الذى يجبرك على خوض هذه الصراعات من الأساس ؟
ـ إنه الحب يا صديقى !! الحب الذى يجعلك تخاطر بحياتك نفسها فى سبيل سعادة من تحب !!
فقد يعلم يوما مقدارحبك له ..
ـ و إذا لم تعلم ولم تستجب لك .. من يعوضك عن عذاباتك تلك ؟
ـ ومن قال لك إنى فى حاجة إلى تعويض ؟ فى الحب يا صديقى لا تحسب الأمور بمقدار ما
أخذت وما أعطيت . و إنما بمقدار عطائك ومتعتك فى العطاء حتى ولو لم تأخذ مقابلا لهذا
العطا ء .
ـ و أين المتعة إذن ؟
ـ المتعة فى وجودها بجوارى واختلاس النظر إليها عندما يستبد بى الشوق إليها . ليست المتعة
فقط بل الوجود كله يتمثل فى ضحكتها وعينيها .
ـ علمت من قبل انك مجنون ولكنى لم أتخيل أن يصل بك جنونك إلى هذا المستوى .. ثم .. ألم
تسأل نفسك لماذا تعامل الجميع بهذه البساطة إلاّك ؟
ـ لم أسأل نفسى ؟ إنى لا أفعل شيئا إلا أن أسأل نفسى هذا السؤال اللعين !!
ـ وماذا وجدت اجابته ؟
ـ لم أحر جوابا ..
ـ أجيبك انا , إنها تستشعر منك الخطر . بل تستطيع القول أنها خائفة منك أيضا .
ـ أشعر بهذا ولا أجد له سببا .
ـ الأسباب كثيرة .. ولكنها كلها سوف تؤدى بك إلى البعد عنها قبل أن تسمعك ما تكره . أضف
إلى هذا كلام المحيطين بها والذين لا يريدون أن يروا شيئا جميلا دون أن يهيلوا عليه ترابا .
أنت تعرفهم جيدا أليس كذلك ؟
ـ أعرفهم ؟ لا يعرفهم أحد قدر معرفتى بهم . و لكنك تتكلم عنها كذلك لأنك لا تعرفها .
ـ أو تعرفها انت ؟
ـ قلبى يفعل ..
ـ حسنا . إذا كان قلبك كل دليلك فحاذر أن يخدعك .
ـ اطمئن .. فلم يخدعنى فى حياتى كلها . فلم سوف يخدعنى الآن ؟
ـ أتعجب لأمرك كثيرا !!
ـ لماذا ؟
ـ أعلم عنك انك خبير فى أمور الحب وخبير بالنساء . و أكثر خبرة بأمور الحياة . فكيف تشغل
بالك بها وأنت تعلم أنها لن تشعر بك !!
ـ ( أطلق ضحكة طويلة انتهت بدمعة ارتسمت فى عينيه ) وقال متألما :
ـ بل انا الذى أتعجب منك !!
ـ ولماذا ؟
ـ لانك صديقى وتعرفنى جيدا وتعلم أنه ليس كل ما يقال يصدق . فلو كنت هذا الذى تتحدث عنه
ما كنت أتألم كل هذا الألم من أجلها .
ـ صدقت . رأيتك مرة تنظر إليها وهى واقفة مع أحد الزملاء يتضاحكان و أجزم انى رأيت
دموع الغيرة فى عينيك . ولكن ما أراه منها تجاهك يجعلنى أطلب لك العون من الله . إذن ماذا
تنتظر منها ؟
ـ لا شئ .. أعتقد انى احبها ذلك الحب الذى يعجز صاحبه عن البوح به . كل ما أتمناه أن أراها
سعيدة .
ـ الحب جنون كما يقولون !!
ثم عاد إلى ورقه و أطرقا صامتين لفترة . لم يمض وقت طويل بعد سكوتهما حتى دخلت زميلة
لهما الغرفة وطلبت بطلنا فى كلمة على انفراد خارج الغرفة . فخرجا ولما سارا بعيدا قالت له :
ـ أريد ان أخبرك أمرا و انا فى غاية الحرج ولكنى مضطرة.
ـ ليس بيننا حرج . أخبرينى وفقط ..
ـ إن غادة تطلب منك ألا تتعرض لها و ترجو ألا تراك مرة أخرى !!