لا يدرى لماذا تداخلت كل الصور والمواقف فى حياته وهو عائد تلك الليلة لترسم صورة واحدة انطبعت بقوة على زجاج سيارته . صورة واحدة لفتاة أصبحت هاجسا يطارده إينما حل و أينما رحل . أصبح يشعر أنها لا تحيا بجواره و إنما تحيا بداخله . طوفان من المشاعر التى كتمها داخله لسنوات طويلة . سنوات تجمعت خلالها مشاعره كأمواج البحر موجة موجة حتى فاضت وانفجرت دفعة واحدة فلم يستطع لها كتمانا ولا تصريفا . طوفان انفجر فى داخله وجاهد نفسه جهاد الشهداء حتى يتسطيع أن يتحكم فيه دون ان يخبرها به . حتى أنه اختار ان يبعد عن مكان وجودها ومع هذا ازدادت موجات مشاعره نحوها . اختنقت مشاعره عندما زادت وحشته إليها مكونة دمعة ابية امتلأت بيها عيناه ورفضت ان تغادر عينيه . دمعة غامت بسببها المشاهد امامه وتداخلت حتى انه اوقف سيارته خشية ان يصطدم بها بشئ .
أوقف سيارته جانبا وداعب هدية أحضرتها له منذ فترات بعيدة ولم يستطع ان يبعدها عن عينيه لحظة واحدة . وكأنما هديتها استنساخا لروحها التى أراد ان تخرج له من خلالها لتؤنس وحشته القاتلة إليها . أدار جهاز التسجيل فى السيارة لعله يجد شيئا يصرف فكره عنها فانطلق صوت الساهر بكلمات :
أحبكِ جداً وأعرف أن الطريق إلى المستحيل طويل
وأعرف انكِ ست النساء وليس لدي بديل
وأعرف أن زمان الحنين انتهى
ومات الكلام الجميل
في ست النساء ماذا نقول؟؟
أحبك جداً... أحبكِ
وأعرف أني أعيش بمنفى وأنتِ بمنفى
و بيني وبينك ريح وغيم وبرق ورعد وثلج ونار
وأعرف أن الوصول لعينيك وهم
وأعرف أن الوصول إليك انتحار
ويسعدني أن أمزق نفسي لأجلكِ أيتها الغالية
فزاده ما سمع شوقا فوق شوقه ورغبة فوق رغبته فى ان يستوقفها ويصارحها بمشاعره تلك . ماذا سيحدث أكثر مما انا فيه ؟ اندفع السؤال فجأة إلى خاطره لتندفع الإجابة أيضا كما يندفع السهم من القوس .. سوف تسخر منك وتبتعد عنك لتقضى على بصيص الأمل المتبقى لديك فيها .. ضغطت تلك الإجابة على ما تبقى من مشاعره فأغمض عينيه بقوة لتنزل منها دمعة ساخنة غسلت معها كل روحه وجروحه .
أيام طويلة لم يراها كانه يعاقب نفسه على جبنه عن مواجهتها . لم يعهد نفسه خائفا من قبل إلى هذه الدرجة فماذا يحدث له ؟ أيغير الحب الناس إلى هذه الدرجة ؟ أيمكن ان يستمد الإنسان سعادته من شخص واحد دون غيره ؟ وهل يمكن نفس الشخص ان يحيل تلك الحياة إلى جحيم مستعر ؟ نعم هو يحبها ويتمنى أن يحدث اى شئ ليخبرها بذلك الحب ولكن كيف ؟ يعلم جيدا انها تحيا فى عالم مواز له لن يلتقيها خلاله أبدا . آمن قديما بمقولة لأحد حكماء الحب يقول فيها :
( إن المشاعر معدية .. فمن تحبه فتاكد انه يحبك ومن تكرهه فتأكد انه يكرهك بنفس الدرجة )
فكيف يحبها إلى هذه الدرجة وتكرهه هى إلى هذه الدرجة ؟! أهى تكرهه ؟ لا يدرى ولكنه متاكد من انها لا تحبه . كان كل خاطر من تلك الخواطر يضرب رأسه بمخيط من حديد . وكالمد والجزر المتتالى تثاقلت رأسه حتى انه أحس بان الهواء حوله رغم برودته إلا انه قد أصبح شديد السخونة حتى شعر به يكاد يلفح وجهه . ليته يستطيع ان يقف فى أرض فضاء ليصرخ بأعلى الصوت .. انا أحبك .. ولكن عذاب الكتمان يوازى عذاب الحب وكأن كليهما قد اجتمع عليه فى ليلته تلك ليضيف إليها طولا بجانب طول ليالى الشتاء القاسية !!
يا ربى .. لماذا خلقت لنا قلوبا تشعر وتحس ؟ إن الألم إذا أصاب اى عضو فى الجسم فعلاجه سهل حتى و إن أضطررنا لبتره , فكيف يعالج ألم القلب ؟ أنبتره ؟ لماذا جعلت القلب عضو لا يبتر لنرتاح ؟ لماذا هى دون غيرها ؟ لماذا ؟
فتح عيناه عندما أحس ان قلبه لم يعد يحتمل المزيد من تلك الآلام . أخذ نفسا عميقا ثم أدار سيارته وغادر المكان متوجها إلى بيته .. ولكنه لشدة دهشته كان يقود سيارته فى غير الطريق لعله يراها قبل ان يعود !!